فخر الدين الرازي

18

النبوات وما يتعلق بها

ومثال وحى المنام . ما جاء في التوراة أن اللّه قال : « ان كان منكم نبي للرب ، فبالرؤيا أستعلن له ، في الحلم أكلمه . . الخ » [ عدد 12 : 6 ] ومثال وحى اليقظة ويسمى بمرأى النبوة . ما قاله النبي دانيال : « فرأيت أنا دانيال الرؤيا وحدى ، والرجال الذين كانوا معي ، لم يروا الرؤيا ، لكن وقع عليهم ارتعاد عظيم فهربوا ليختبئوا ، فبقيت أنا وحدى ورأيت هذه الرؤيا العظيمة ، ولم تبق في قوة ، ونضارتى تحولت في إلى فساد ، ولم أضبط قوة . . . الخ » [ دانيال 10 : 7 - 8 ] ومرأى النبوة شبيه بحالة الصرع التي تصيب بدن المصروع فيفقد الوعي . والفرق بينه وبين الصرع : أن الصرع من تأثير الشياطين ، ومرأى النبوة من تأثير الملائكة . ويجمع القسمين وحى المنام ووحى اليقظة ما جاء في التوراة أن اللّه قال لخصمى موسى عليه السلام : « أن كان منكم نبي للرب ، فبالرؤيا أستعلن له . في الحكم أكلمه . وأما عبدي موسى فليس هكذا ، بل هو أمين في كل بيتي ، فما إلى فم ، وعيانا أتكلم معه ، لا بالألغاز ، وشبه الرب يعاين » [ عدد 1 : 6 - 8 ] فان قوله « فبالرؤيا أستعلن له » دليل على مرأى النبوة يقظة ، وقوله : « في الحلم أكلمه » دليل على رؤيا الأحلام . ثانيا : الكلام من وراء حجاب . وهذا واضح في الوحي إلى موسى عليه السلام فان اللّه كلم موسى تكليما « فما إلى فم » ولكن بدون رؤية . فان اللّه لا يقدر أحد على رؤيته « 1 » . ولقد كلمه على جبل الطور بالوصايا العشر وبالتشريعات . وإذا أراد كلامه بعد ذلك كان يكلمه من خيمة الاجتماع . وهذا النص شاهد على ذلك : « ولما اجتمعت الجماعة على موسى وهارون ، انصرفا إلى خيمة الاجتماع ، وإذا هي قد غطتها السحابة ، وتراءى مجد الرب ، فجاء موسى وهارون إلى قدام خيمة الاجتماع ، فكلم الرب موسى قائلا . . » [ عدد 16 : 42 - 44 ] . ثالثا : ارسال رسول من اللّه إلى شخص معين ، برسالة معينة . ومثال ذلك : رسالة موسى إلى الناس ورسالة يونس إلى أهل نينوى .

--> ( 1 ) قال اللّه لموسى : « لا تقدر أن ترى وجهي . لأن الانسان لا يراني ويعيش » [ خروج 33 : 20 ]